أما البر في الخلق فذكرته الآية في مبدأين: مبدأ القيام بالواجب المقدس وقد عبرت عنه الآية (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) ومبدأ مقومة الطوارئ والتغلب على عقبات الحياة، وقد عبرت عنه الآية (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) والعهد لفظ شامل يجمع كثيرًا من الارتباطات والالتزامات لا غنى عنها للناس، ولا استقامة للحياة بدونها وهي على كثرتها فإن أعظمها وأولها العهد بين العبد وربه (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين) الفاتحة 5 (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) 7 المائدة. ويا له من حنان وإرشاد منه سبحانه (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِيءَادَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) 61 - يس. ثم يوصينا لعظم هذا العهد (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) 152 الأنعام. ومن أوصاف أولى الألباب (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) 20 الرعد يخلق سبحانه وحده، ويرزق وينعم وحده حي قيوم يدبر الأمر وحده، نعمه غامرة وفضله عظيم، ومع ذلك يعمى أكثر الناس ويغفلون وينقضون العهد معه فمن عابد لوثن ونصب وعادات جاهلية، ومن عابد لشيخ ورأي وخرافة، ومن عابد لمدنية مزعومة فاجرة ومتبع للذين كفروا ومن عابد للمال والمادة والأهواء ومن عابد للشيطان تارك لدينه وعبادة ربه، وتعس الجميع. فإن جماع البر والسلامة والنجاة والفوز في الوفاء بعهد الله بعبادته وحده وإفراده بكل لحب والخوف والرجاء والأمل. وإسلام الوجه والقصد إليه باستجابة أمره واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم الذي حمل هذا الخير وبلغ هذا البر.