وحديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم قالت دخلت علي (1) عجوز من عجائز يهود المدينة فقالت: أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت فكذبتها ولم أنعم أن أصدقها. قالت فخرجت ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن عجوزًا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم. قال: صدقت إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها. قالت: فما رأيته بعد صلى صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر).
ثالثًا: العقيدة والعقل.
تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما يراه العقل مستحيلًا، ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول. فإن رجوع الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل الروح لها مع البدن خمسة أنواع من التعلق تتغاير أحكامها:
أحدها: روح الجنين في بطن أمه.
وثانيها: بعد خروجه على الأرض. وثالثها: حال النوم فلها تعلق من وجه ومفارقة من وجه.
والرابع: في القبر (في البرزخ) فللروح اتصال مع البدن ومفارقة تخالف كل ما سبق.
والخامس: بعد البعث وهو أكمل أحوال التعلق بالبدن فهو تعلق لا يقبل الموت ولا النوم.
واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق لهذا العذاب ناله سواء دفن في قبر أو أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء.
فإن العذاب يصل إلى روحه وبدنه. نؤمن بذلك كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فكم من بدعة نشأت وضلالة حدثت بحمل كلام الشارع على الغلو أو التقصير - فيلزم حمل الأخبار الصحيحة على مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما يقال في علاقة العقل بعذاب القبر يقال في كل ما ثبت من الأمور الاعتقادية الغيبية.