ومثل هذا أن يتلاعب العلماء بما أخذ عليهم من مواثيق فينقضوا، أو يعرضوا، أو يكتموا، أو يطوعوا النصوص، ويلووا أعناق الآيات إرضاء للسادة، أو تزلفا للقادة، أو طلبًا لدنيا .. إلى آخر أساليب هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون أن الله سبحانه أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه- وأنه تهدد وتوعد كل من يؤثر العرض الحاضر على الأجل الصادق: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار) البقرة 174 - 175
إن كل هذا استقسام، ولعب بالأزلام، وإهدار للعفة وأكل بالثدي. والإسلام يربأ بأهله أن تقودهم شهوة البطن إلى التسقط والرمرمة، أو أن تقودهم شهوة الكسب إلى الإسفاف والإجحاف والمأثمة، أو أن تغلبهم كبوة الفكر فيسقطوا أسرى الدجل، والشعارات، ويتداولوا في أسواق النخاسة، ويعللوا بما تعلل به الأطفال، ويشغلوا بما تشفل به الدواجن والأنعام.
وضحايا الأزلام والأوهام كانوا يرون ذلك السفه معرفة ويتخذونه دينًا. والمنتفعون من ورائهم يزيفون لهم هذا الرأي الساقط ليدينوا إلى الأبد دين الزيف وليظلوا ما عاشوا نهب الأنياب والمخالب والأضراس. فالصلة-كما نرى- وثيقة بين هؤلاء وبين أحبار السوء المرابطين في ساحات الاستبداد، يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، ويكتمون الحق أو يلبسونه بالباطل، ويضفون الشرعية على أباطيل المستبدين. وينقضون بذلك غزل الإسلام من بعد قوة أنكاثًا، ويحلون عرا الإسلام عروة عروة.