هذه الأمم التي عندها بقية من دين تفرق بين الدين والدنيا وتجعل للدين نصيبًا من حياة الناس يكاد ينحصر في مراسم في المساجد والكنائس والمعابد والصوامع والأديرة، وفي الصلوات والصدقات والصيام والحج، وفي الزواج والولادة والجنازات 0 أي في بعض وجوه الحياة أما الأوجه الأخرى فلا 0 ويقولون أحيانًا أن ما يصلح لدينهم لا يصلح لدنياهم 0 وإن ما يقبل في العبادة لا يقبل في السياسة 0 وما يقبل في المساجد لا مكان له في المعاملات والبيع والشراء والحياة العامة 0 وإن ما كان يناسب البشرية في عهدها البدائي لا يناسبها في عهدها المتطور بعد تسخير الأرض والبحار، والكهرباء والإلكترونيات والجاذبية والضوء والصوت والإشعاعات الخفية والمغناطيسية، وبعد تسخير الجو والهواء والرياح، بل وبعد تفجير الذرة وغزو الفضاء والوصول إلى القمر وغيره من الكواكب، بل - ويا للهول - بعد أن وقف إنسان لإنسان آخر بالمرصاد يهدده بالدمار والهلاك بالتفجيرات الذريه ليس له فقط أي ليس لعدوه فقط، بل للبشرية كلها ولكل ما أنجز الإنسان من يوم خلق آدم إلى الآن من حضارة وتقدم ورخاء 0 دمار لكل شئ على وجه الأرض باسم الرقى والعلم والتكنولوجيا 0
نعم إنكم أنتم الآن أحوج ما تكونون إلى هداية الله، كفاكم جنونًا بعلمكم وتقدمكم، كفاكم غرورًا بقوتكم وزهوًا بتفوقكم 0 إنكم بذلك عدتم إلى بدائية البشرية في أول عهدها والتي تهزءون منها، بل عدتم إلى أبعد من ذلك تخلفًا، لأنكم تملكون التدمير ولا تملكون النور الذي تستوضحون به ما تحطمون، وتكادون تدمرون أنفسكم وغيركم معكم، بل ربما دمرتم أنفسكم قبل غيركم، وقد ينجو غيركم بعد دماركم، فالبقاء حينئذ سيكون للأسبق وليس فقط للأصلح 0
هذه الدعوى خرجت من بقع عديدة على وجه الأرض وهي دعوى عدم صلاح الدين وعدم مناسبتها للبشر في عصرنا هذا 0 ويالها من دعوى مدمرة فاجرة، جاهلة عمياء 0
أسبابه: