أما من أحدث في الدين من البدع ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العبادات، كالابتداع في الأذان والتغني به، وقراءة القرآن على نحو يطرب السامعين، أو ذكر الله تعالى مخالفًا لقوله سبحانه (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) 205 الأعراف كما يفعل الصوفية الذين يدعون أنهم يذكرون الله في حلقات مصحوبة بالتصفيق والأصوات المنكرة، والشطحات بالتمايل يمينًا وشمالًا، أو أولئك الذين يتخذون قبور مشايخهم مساجد، يقيمون لها الموالد كل عام، ويشدون إليها الرحال طمعًا في بركات مزعومة، فهؤلاء وأمثالهم بدلوا دين الله، وأحدثوا فيه ما ليس منه. قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه).
قال القرطبي صاحب التفسير المشهور: (وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وإذلال أهله، والمعلنون بالكبائر، والمستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع) .
ونقول: يدخل في هذا تأخير الصلاة عن وقتها، وغناء النساء، والرقص، والتمثيل الخليع، واختلاط الرجال بالنساء مع السكوت على هذا المنكر وتبرج النساء وكشف زينتهن في الطريق العام والعمل باختلاط مع الرجال: فهؤلاء جميعًا يطردون من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم استحبوا العمى على الهدى.
وفي الحديث المذكور دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم أفعال العباد، بعد انتقاله إلى ربه، كما أنه يدحض احتجاج المبتدعة والمتصوفة بالحديث المرسل (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تعرض على أعمالكم، فما كان منها خيرًا حمدت الله، وما كان منها شرًا، استغفرت الله لكم) فهذا الحديث المرسل، تلوكه الألسنة في حلقات المبتدعة، وعند القبور التي اتخذت مساجد مشاقة لله ورسوله، نقول هذا الحديث يصطدم بأصل من أصول الدين، ويجب عدم التحدث به إلا للبيان والتحذير.