وقد ربط ربنا بين توحيده والتوكل عليه في كثير من آياته مثل قوله سبحانه (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فإذا كان الله هو الخالق والقائم على كل شيء بالتدبير والحكمة كما قال ربنا (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل) فعلى الإنسان الراشد ألا يتخذ من دون الله وكيلا يعتمد عليه في أي شيء وأن يسأل الله وحده ولا يتضرع ولا يذل نفسه ولا يخضع إلا له سبحانه وقال ربنا في الآية الجامعة من سورة الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين) وتقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص. والتقدير لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك. ثم إن هذه الآية تتوسط سورة الفاتحة. فما قبلها إخبار من الله أنه رب العالمين بما تضمنته معنى التربية من الإنشاء والرزق وإمداد الخلق بما يحتاجونه في حياتهم وقد رباهم على الرحمة فهو الرحمن الرحيم. ثم هو مالك يوم الدين بما تضمنته كلمة مالك من بسط سلطانه على خلقه وهناك يوم القيامة يوم الجمع الأكبر لا تتكلم نفس إلا بإذنه ولا شفاعة إلا بأمره. وحساب الخلق موكول إليه وحده فجاءت الجملة الأولى- إياك نعبد- لتحقيق الاختصاص في العبودية لله وحده والجملة الثانية (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين) لها أوثق الروابط بما بعدها إذ العبد في أمس الحاجة لتوفيق الله له في سيره على الصراط المستقيم. إذ التوفيق لهذه المسألة يتوقف عليه سعادة الدنيا والآخرة وهو نعمة كبرى. فما قيمة المال مع الضلال وما قيمة المناصب والمراكز مع الخروج عن هدي الله إن الدنيا عرض زائل عما قريب. ويوم يجمع الله الخلق فلا سعادة ولا عزة إلا لأصحاب الصراط المستقيم الذي سئل عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال تركنا عليه محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا ومنتهاه في الجنة.