2.وتوسلوا إليه لحق العمومة والأخوة والبنوة أن يكف عن دعوته، ويطلب ما يريد. (روى ابن اسحق بسنده أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدًا في قومه- قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش. ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا والوليد. قم إليه فكلمه. فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك. فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، ودينهم، وكفرت(بتشديد الفاء) من مضى من آبائهم، فاسمع مني يا ابن أخي ... ).
ومضى أبو الوليد يعرض على رسول الله، ويقترح عليه بأسلوب متلطف رفيق آملًا أن يصل بالملاينة والرقة إلى ما لم يصلوا إليه بالمواجهة، والمصادمة، والنعيق.
وأبو الوليد وهو يتملق رسول الله بكلماته المعسولة إنما كان يلوح بقرابة قاحلة جدباء خلت من المودة فخلت من الروح. وأبو الوليد وعصبته- وإن كانوا يمتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -لا يمكن أن يكونوا عترة محمد لمجرد تلاعبهم بكلمات: يا ابن أخي، أخ كريم، وابن أخ كريم .. الخ تلك العبارات المتملقة التي لا تحوي إلا الجرس الرنان.
والقرآن حين أدخل أداة الظرف (في) على كلمة (القربى) إنما دعاهم إلى أن يملئوا الكلمة بالزيت لتضيء. ذلك شأن القرابة التي تربط بين الأناسي. أما القرابة الخاوية الباردة فهي لا تليق إلا بالأنعام. فلا عجب إذا روى البخاري، وأحمد، والحافظ الطبراني عن ابن عباس ما رووا من أن المعنى (لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم ... ) القرابة إذن وعاء، ومنبع.