وقد مر بك (في مقال سابق) أنه كان أحد الستة الذين رشحهم عمر لاختيار أحدهم خليفة بعده. وعلى الجملة فهو كما وصفه السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء) أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع- حفظ- القرآن العظيم وعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤذن في الناس يوم الحج الأكبر في حجة أبي بكر، ببراءة الله ورسوله من المشركين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وماذا عن بيعته: لحظة استشهاد عثمان رضي الله عنه أصبح المسلمون بدون خليفة. وأصبحت الدولة بغير أمير يتحمل مسئوليتها ويدبر شئونها ويرعى مصالح أبنائها ويوفر الحماية الكافية لحدودها. ومن شأن هذا الوضع الخطير إذا استمر أيامًا أن تضرب الفوضى بأنيابها في المجتمع. ونتيجة ذلك تكون خسارة فادحة. ومن رحمة الله بالمسلمين أن هدى أهل المدينة إلى التفكير في هذا الأمر قبل أن يتفاقم. فأسرعوا يبحثون عن الرجل الذي يعتقدون أنه الأجدر بمواجهة هذا الموقف والأقوى على تحمل تبعاته والقيام بمسئولياته الجسام. ولم يطل تفكيرهم، فلقد كان منطقيًا أن تتجه أنظارهم مباشرة إلى أولئك الباقين من الستة الذين رشحهم عمر للخلافة وهم على وطلحة والزبير وسعد ولقد تذكر أهل المدينة أن الاختيار قد انحصر بعد وفاة عمر بين عثمان وعلي ولقد مات عثمان وبقي علي. فهو إذن الرجل الذي عنه يبحثون فليذهبوا إليه. وليعرضوا عليه الخلافة وليكونوا مطمئنين لحسن اختيارهم له. لماذا؟ لأنه الذي يتمتع بالمزايا التي مرت بك: سبق الإسلام، صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، مبشربالجنة، مرشح من عمر علاوة على مصاهرته ورحمه من النبي صلى الله عليه وسلم. فأجمعوا أمرهم وانطلقوا إليه وطلبوا منه أن يتولى خلافة المسلمين. فبماذا أجابهم؟ هنا تكثر الروايات التي أوردها المؤرخون وهي تتراوح بين المقبول والمعقول، والذي لا تجد النفس ميلًا إليه.