وإثارة روح الاستباق لا تدل على أن ميدان التسابق يتشابه في كل نواحيه بل تدل فقط على وحدة الهدف (التقوى، والظفر بالرضوان) فلأولئك منهج وكيفيات، ولنا منهج، وكيفيات، (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَو شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَاءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون) المائدة.
والمولى الذي بوأ هذه الأمة مكانة تعلو على كل الأقدار (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) 110 آل عمران ورفعها حتى احتلت مستوى الشهادة على الناس (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) 143 البقرة. لا يرضى منا إلا أن نكون السابقين السابقين، والسبق في منازل الآخرة لا يتأتى بالتفريط في أنصبائنا من الدنيا: فيا ويل المسلمين إن حشروا إلى الله عجافًا مريشين (2) .
3 -وغاية المستبقين التقوى. والصيام على النحو الذي أمر الإسلام به من أهم أسبابه إذ فيه: -
1 -امتثال الأمر الرباني، واجتناب النواهي الإلهية، ومخالفة النفس بالامتناع عن المشتهيات انصياعًا وزلفى، ورجاء،
وخوفًا.
2 -والصوم تدريب على المراقبة، والصبر عما تجنح إليه النفوس، وهما يعينان على تبين الطريق، وتحمل المشاق التي
تزخر بها طرائق التقوى.
3 -والصوم بحقائقه، وآدابه يضيق مجاري الشيطان، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وكل همه أن يعوق ويقطع
طريق السالكين إلى الله. والصوم- فوق ذلك- يحرك كامن العطف، ويغري بالطاعات. والطاعات تقوى، ومدارج إلى مزيد من تقوى. والحق أن الصوم تربية لأنواع القوى التي يتسلح بها المؤمن فالمؤمن في أوج قوته يكون في أوج تقواه، فبين القوة، والتقوى تناسب طردي (إذا زاد أحدهما زاد الآخر ... ) .