فهرس الكتاب

الصفحة 5447 من 18318

إن الصوم يكبح جماح الأعضاء المنطلقة مع رياح الشهوات ويفطم النفوس الأمارة عن المألوفات، ويعدل القوى الدنيا، ويعليها، ويوجهها نحو ما يزكيها، ويسعدها في الدارين. فهو- بهذه المعاني- رياضة، وجنة، وإيثار خالص لما عند الله.

ولذا كان-من دون العبادات- خالصًا لرب العالمين (الصيام لي، وأنا أجزي به) .

والصوم - بهذا العطاء الجم- رحمة، وإحسان، ونفحة، ومنحة إلى الناس من رب العالمين.

4 -والصوم بعد ذلك أيام معدودات هي أيام رمضان. ولم يكلفنا الله بصوم أشهر، أو سنوات، ولم يفرض علينا

صوم الدهر. فما أهون الأيام التي تحصر، وتعد، ولاسيما إذا قورنت بالمصالح الجمة التي تنجم من الصيام، والمولى- زيادة في التهوين- يستعمل جمع القلة (1) (أيام) إيحاء بأنها قليلة لمن استغرق مخلصًا وانشغل بتحقيق هداياته، وتحري كمالاته. فإنه يستقبل الشهر، وسرعان ما يودعه متعجبًا من سرعة انطوائه.

5 -والصوم في غمرة هداياته خفيف الظل، يسير. والمولى لا يكلفنا عسرًا، ولا يحمل علينا إصرًا، بل لا يفتأ سبحانه

ييسر، ويخفف، ويشد الأزر حتى تهون التكاليف علينا، فلا عجب إذا راعى

أ - جانب أولئك المتلبسين بالمشاق من مرضى، ومسافرين. فرخص لهم أن يفطروا ويقضوا أيامًا بقدر الأيام التي أفطروا

فيها.

ب - بل لا عجب إذا تدرج الله بالناس ففرض الصيام في أول الأمر اختيارًا. من نشط صام، ومن لم ينشط أفطر، وأطعم

عن كل يوم مسكينًا. حتى إذا دربت النفوس وتهيأت، وألفت القلوب، وتعلقت .. تقررت حتمية الصوم بقوله سبحانه ِ (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) 185 البقرة وقد كان كتب قبل اختيارًا بقوله سبحانه ( .. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) 184 البقرة فنسخ الحكم بالنسبة للأقوياء الأصحاء القادرين. وبقى في حق الشيخ، والشيخة.

6 -والشهر بعد هذا عظيم، ومن جوانب عظمته اختياره ليكون شهر القرآن وما أدراك ما القرآن؟ فكأننا حين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت