فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهؤلاء المتصوفة الذين تعددت طوائفهم حتى أربت على المئين، يعيش أكثرهم عالة على الناس. فيتناولون الطعام في بيوت الناس أكثر مما يأكلون في بيوتهم، ويعيش قادتهم كلًا على الناس، وخاصة أولئك الدراويش الذين يغررون بهم بدعوى أنهم يعطونهم العهد ثم يكون المريد بعد ذلك أسيرًا لشيخه، وتتعدد أكلات الشيخ بعدد المريدين أو يزيد. ويملئون بطونهم من طعام أولي به أبناء المريد، الذي يتكلف لشيخه فيملأ بطنه من طعام لم يكسبه بعمل يده، بدعوى أنه زاهد في الدنيا. ولكن الزهد يتطلب من العبد أن يكون عفيفًا، فاليد العليا خير من اليد السفلى.
ولم يقف الأمر عند- هذا الحد، بل إذا غابت ولائم الدراويش لمن أعطاهم العهد طالبهم بها. ثم يتبع ذلك من الهدايا والعادات ومنتجات الريف الشيء الكثير. وهذا كله تدليس وتحريف. فالإسلام دين عمل، فلم يأكل إمام من الأئمة الأعلام من مشيخته. بل كلهم كانوا أرباب حرف مقتدين بإمام الرسل صلى الله عليه وسلم، الذي هو على رأس قائمة الزاهدين، والذي احترف رعي الغنم صغيرًا، ثم احترف التجارة كبيرًا، وبعد ذلك أحل الله له الغنائم لانشغاله بالإمامة والقيادة والغزوات. فقال صلى الله عليه وسلم (جعل رزقي تحت ظل رمحي) كما اشتغل أبو بكر بالتجارة، واشتغل عمر بعد الهجرة بالزراعة، وعثمان بالتجارة، وعلي بالصناعة وهكذا كانوا القدوة الصالحة للأمة. ولكن جاء الخلف بالبدع والخرافات: أكلوا أموال الناس وادعوا أنهم في الدنيا زاهدون، وفي محبة الله راغبون، وللآخرة عاملون. والله يعلم أنهم واهمون. لأن إشباع البطون على حساب غيرهم هو عندهم أشد رغبة وأقرب رحما.
ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي إذا عمله العبد يحبه الناس قال (ازهد فيما عند الناس يحبك الناس)