والشيطان- من أجل هذا - الفكرى الذي يوجه لاجتياح نور الحق واحتلال القواعد التي يمكن أن يحط فوقها الحق. أو- على الأقل- لإطفاء ما تيسر من أضوائه، ومزاحمته في قواعده.
والشيطان من أجل هذا- يفرغ تفريغًا، ويجوف تجويفًا، ويغير المفاهيم، ويزيف تزييفًا. وهو الذي يسدل أستار الغفلة، ويجد كي يلهي، وينسي، ويبلي العزيمة (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) 115طه.
ولقد مارس الشيطان هذه اللعبة- أول ما مارس- مع آدم، وحواء. وسوس لهما، وقاسمهما ودلاهما بغرور، ومناهما، وأطمعهما في الملكية، والخلود، ولم يزل بهما حتى أزلهما، وبدت لهما سوءاتهما وفق ما جاء في آيات جمة (وَيَاءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَو تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُو مُبِينٌ ... إلخ) الأعراف19 - 27.
وترديد هذه القصة، وتكررها في مواطن عدة، بأساليب متكاملة يدل على شدة اهتمام الإسلام بالغزو الفكري الخفي. واتقاء هذا الغزو، وابتغاء أن يطيش سهم الشيطان، ذكر القرآن أمر الشيطان، وكيده، وعدواته ووسوسته، وتغريره، وتزيينه، وعدد إمكاناته مرات، ومرات.