ومع تسليمنا الكامل بأن هذه الاحتفالات بدعة نشأت على أيدي الحكام الفاطميين ... إلا أن المتتبع لهذه الاحتفالات يراها تنحدر من سيئ إلى أسوأ. فحينما بدأت في عصر الفاطميين كان الخليفة الفاطمي يركب دابته في أول ليلة من ليالي ربيع الأول وحوله الوزراء والعلماء والمستشارون، ويطوف البلد كلها معلنا بدء الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعود بموكبه إلى قصره حيث تمد الموائد وعليها من المآكل ما لذ وطاب، ويتناوله الحاضرون على كثرتهم ثم توزع عليهم قناطير الحلوى، أما برنامج الاحتفال فيتخلص في قراءة القرآن وأحاديث للعلماء عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، ثم يقومون إلى حلقات الرقص الصوفي الذي يسمونه ذكرًا ... وهكذا حتى يحين وقت الصلاة فيصلى بهم الخليفة صلاة الفجر ثم ينصرفون. وهكذا كل ليلة حتى ينتهي شهر ربيع الأول.
وظل الفاطميون يقيمون هذه الاحتفالات إلى أن جاء أحد خلفائهم وهو (المستعلي بالله) الذي كان متغاليًا في التشيع إلا أنه كان ضعيفًا أمام رئيس وزرائه وأمير جيوشه (بدر الجمالي) . وكان بدر الجمالي من المتمسكين بالسنة فأصدر أمره بإلغاء هذه الاحتفالات بالموالد بصفة عامة، واستمر الحال هكذا إلى أن مات بدر الجمالي حيث عادت الاحتفالات مرة أخرى ... حتى جاء عهد صلاح الدين الأيوبي الذي كان متمسكًا بالسنة فأصدر أوامره إلى جميع الولايات بمنع كل الاحتفالات بالموالد. وتم تنفيذ هذه الأوامر في كل أنحاء الدولة الأيوبية ما عدا ولاية واحدة كان يحكمها الملك (مظفر الدين) الذي توفى عام 630 هجرية. فقد كان ذلك الحاكم متصوفًا فرفض أمر السلطان واستمر على إقامة الاحتفالات التي روى المؤرخون أنه كان ينفق عليها سنويًا ما يزيد على ثلائمائة ألف دينار (حوالي ثلث مليون جنيه ذهبًا) .