ثم إن المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يحث على النذر ولا رغب فيه لقوله (إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج) - رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، كذلك روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن النذر لا يقدم ولا يؤخر من قدر الله شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل) . فقوله صلى الله عليه وسلم: (يستخرج به من البخيل) يحثنا على العكس من ذلك، فنكون من المحسنين، فنقدم الطاعة على طلب الحاجة، بينما يجعل الناذر، الصدقة أو الصيام النسك أو الخير بعامة، مشروطًا بقضاء الحاجة وتلبية الطلب، وهي وإن حصلت فقد وافقت القدر في الحقيقة وليس ذلك بسبب النذر، ولكن الله سبحانه وتعالى قدره عليه، يستخرج به ما يده عليه شحيحة. فلنتأمل. ثم إن الناذر يجعل لفعله الخير ثمنًا معجلًا يرتهن بالوفاء به قضاء حاجته، وهذا فيه اشتراط على المولى عز وجل ... (لئن رددت لي غائبي .. لفعلت كذا وكذا) وهو من سوء الأدب مع الله، وهو من جهة أخرى يضع بعض الناس في مواجهة قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين) آية 11 من سورة الحج، وهو ما نخشى على بعض الناس منه، فكم من داع أو ناذر سقط في هذه الهوة ... فعلت يودي به إلى الهلاك ... فمن الناس من يكون على حرف ... فيقع في الخسران المبين.