وتجاوبًا مع هذه العاطفة (عاطفة حب الخير) طلب سليمان عليه السلام من ربه ذلك المطلب الفريد (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ص 35. طلب أن يتميز عن العالمين، إلا أن هذا التميز ألقى عليه من المسئوليات والتكاليف ما ألقى. وإلا فما الظن بحساب عبد مسئول عن سياسة رعية تتصنف من الجن، والإنس، والطير؟ (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) النمل 17.
إن الله امتحن داود عليه السلام بمسئولية سياسة الناس. الناس فقط، ومع ذلك حذره، وأنذره، وشدد عليه النكير (يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص 26. فما بالنا إذن بمحنة سليمان؟
لا يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا المذمومة من الله؟ لأن هذا الطلب - فوق أنه تشريف - فيه من التكليف ما فيه، فهو محمول على أداء حقوق الله، وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه .. إلخ (من القرطبي) .
فحاشا سليمان أن يطلب الدنيا لنفس الدنيا، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها لله، ولقد أدى سليمان عليه السلام حق الشكر، وسأل الله أن يعينه على القيام بمزيد من الشكر (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) النمل 19.