فهرس الكتاب

الصفحة 6036 من 18318

والنفس اللوامة لا تزال تتقلب بين الشكر، والصبر، والاستغفار، والذكر، حتى تحيط صاحبها بسد منيع يعجز كل شيطان، بيد أن الشيطان، لا ييأس، بل يظل يطوف، ويطوف حول السد ملتمسًا غرة، أو مرتقبًا خلسة، يوجه من خلالها ضربة يظنها قاضية، وهي بفضل الله هادية، تورث حسن الأوبة، وتذكي حرارة التضرع، وتمنح التوفيق: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) الأعراف 201 - 202.

والنفس اللوامة إذا احتوتها آفاق التوفيق، صعدت - موفقة - إلى مراتب النفس المطمئنة التي لا تضرها فتنة مادامت السموات والأرض. وحينئذ يغدو المرء ربانيًا مشمولًا بولاية الله، وحبه. به يسمع وبه سبحانه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، مصداق ما جاء في الحديث الصحيح، وتلك منزلة التوفيق.

إن التوفيق ألا توكل إلى نفسك طرفة عين، هو أن تمنح قوى الكبح، وتحدى نحو مقام العبودية الحقة حيث تبصر الافتقار، وتحمل على الانكسار وتستمطر أفضال الله، ورحمته (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) .

ومستوى العبودية الحقة، القائمة على معرفة فعالة بالله، وبالنفس الإنسانية، وأدوائها، هو المستوى الذي تلحظ مدارجه في الحديث الصحيح: (سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ... ) .

إن الامتلاء بدسم هذا الحديث، والانفعال بحقائقه، ودقائقه، من بصر بالنعم، وإقرار بالقصور، ولياذ بالله هو العبودية التامة التي تحمل على الانكسار، وتحفز إلى التوبة، والاستغفار، وتهدي إلى مزيد من التضرع إلى الله، ألا يكلنا إلى أنفسنا في سراء، أو ضراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت