واعد الله - جلت قدرته - موسى أربعين ليلة، يلقى عليه فيها التوراة. فترك قومه لأخيه هارون يرعاهم ويأمرهم وينهاهم، ولم يكد موسى يفارقهم لميقات ربه حتى تحركت الوثنية في نفس رجل منهم يقال له: السامري، فطفق يذكرهم بمعبودهم الذي تركوه في مصر، وهو العجل (أبيس) ولم يكونوا أقل منه تشبثًا بالوثنية، فإنهم بعد أن جاز بهم موسى عليه السلام البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم. فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة , فصادف إغراء السامري لهم هوى في نفوسهم فحنت إلى عبادته، وكان السامري رجلا صواغًا، فطلب إليهم أن يعطوه ما أخذوا من زينة القوم ليصوغ لهم تمثالًا للعجل يعبدونه، فأجابوه إلى ما طلب، فصاغ لهم تمثالًا للعجل جهزه بجهاز خاص يتوصل به إلى إحداث صوت كخوار العجل وإبرزه لهم قائلًا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسى وذهب يلتمسه في موضع آخر.
أخبر الله تعالى موسى عليه السلام بما كان من فتنة قومه، وإضلال السامري لهم، وارتدادهم إلى عبادة العجل، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا. فقال: بئسما خلفتموني من بعدي! أفطال عليكم العهد، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي؟ وأقبل على هارون وأخذ برأسه إليه ويقول:
يا هارون ما منعك، إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن؟ أفعصيت أمرى؟
قال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. لقد قلت لهم من قبل: يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى والتفت موسى إلى السامري وقال له: ما خطبك يا سامري؟ قال: إني أدركت ببصيرتي ما لم يدركوا، وفطنت إلى ما لم يفطنوا له. فحين رأيتك تدعوهم إلى عبادة إله لا تدركه الأبصار ولا تلمسه الأيدي، وهم لم يألفوا ذلك من قبل، وكان ذلك سيصرفهم عن العبادة، نبذت هذا الجزء من تعليمك، وأخرجت لهم هذا الإله حتى يعودوا إلى العبادة كما كانوا يفعلون في مصر، وكذلك سولت لي نفسي؟