الإسلام يوقد على معاني الأخوة، ويحركها حتى تنضج، وتربو، وتسود. فيغدوا المؤمن - بها - هينًا، لينًا، كالجمل الآنف، إن قد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ، لا لأنه إمعة، ولا لأنه ضعيف لا زَبرْ له، يستمرئ حياة التبعية، والعمالة، ولا لأنه سلبي يخشى المعارضة، ويفر من تكاليف الإيجابية، بل لأنه رأى بنور الإيمان فأبصر، وأدرك أن السماحة والرفق والمطاوعة النابعة من الإحساس العميق بالأخوة، حكمة ورشد، وأن المشادة والفظاظة والعسر غى وحمق، وأن المؤمن في حربه وسلمة، كيس فطن عزيز.
والهين، اللين، يسمع النصح ويقبل النقد، ويعالج - باستمرار - وعورة نفسه. إن النقد، والنقد الذاتي منزلة يباركها الإسلام، ويربى من أجلها، ولا يزال يحدو إليها، ويحدو، حتى يصير منطقه: رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي.
ولكن الإنسان يتأثر كثيرًا بعاطفتين نشيطتين، تتسلطان عليه، وتقبضان على زمامه، وتسلمانه - إن طغتا - إلى علل نفسية موبقة. هاتان العاطفتان هما: الأنوية، وعشق الذات.
والإنسان طى قبضتهما، مختال، فخور، بالفعل، أو بالقوة، يأتزر ياعجب، ويتوشح الخيلاء، ويتعرض لسخط الله الذي لا يحب من كان مختالا، فخورًا، فهما عاطفتان تقذفان باللهب، وتصدران أرياحًا قابضة خانقة.
دائمًا يشتهي الثناء، ويتشوق إلى الإطراء. وينشرح بهما صدرًا وإن صدرا عن نفاق أو تملق أو تلاعب، وتهكم، فإن لم يظفر بما يشتهي راءى، وسمع، وأسبل الإزار، وتبختر، وغنى لنفسه.
والإسلام بكل تعاليمه، يخرط الإنسان، ويربيه تربية تنضو أشواكه، وتقيم أخادعه. ولذلك ندد بالكبر، والمرح والزهو، والغرور، والخيلاء، وحب الظهور، وسائر الصفات التي تقصى عن الجادة، وتحدو إلى المهالك. وهكذا يتصدى الإسلام للأدواء التي قد تطويك، فتحرمك من أن تستضئ بنصح أخيك.