فهرس الكتاب

الصفحة 6086 من 18318

والإنسان في نير تلك الأدواء، لن يطيق - بالضرورة - نقدًا، ولن يحب ناقدًا يجرده، أو يصدم عواطفه. إذن، فما أعسر نقد ذات جبلت على (المنظرة) وعشق الذات!

لذلك اهتم الإسلام بتربية القيم، وتنمية الروح التي تتقبل النقد، وتعين على نقد الذات، إذ الذي لا يقبل النقد، لا يقوى على نقد ذاته.

ولقد مررنا بآثار تبين كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينقد ذاته، إلا أن نقد الذات لا يتحتم أن يأتي في صورته التقليدية، بل قد يتحقق بصورة أخرى هي: أن تصغى، مقتنعا، إلى نقد غيرك لك، ثم تذيع في الناس ما اقتنعت به دون أن تجد مضاضة، أو غضاضة. نقد الذات إذن: مباشر، وغير مباشر، والإسلام حين يتهم بالنوعين، يستهدف تنقيتك، وترشيدك.

ونبادر فنقول: إن كل ما حواه الإسلام من آيات، وأحاديث، ومواقف تعدل من السلوك، أو تكبح جماح النفس أو توجه إلى الأمثل، هي في الحقيقة مواجهة للنفس، وتأمل في مثاليها، وتطلع إلى تزكيتها، وإعلائها، فهى - لهذا - تغذى روح نقد الذات، تزكيها. وكلما ازداد ارتباط المؤمن بها، ازدادت فرص التخفيف، والتخلص من الأوزار.

ثم نقف بعد ذلك - معًا - أمام آثار أخرى تنعش خلالها تلك الروح بشكل مباشر، أو غير مباشر.

(هل كنت إلا بشرًا)

عائد نقد الذات كثيرًا ما يعود إلى السامعين، وتذكير الرسول في آيات جمة ببشريته، وإنطاقه بحقيقته يستهدف - فيما يستهدف:

(أ) ذلك الجيل الأول، الذي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمطالب تتجاوز قدر البشر. مما يدل على أن مفهوم الرسالة عندهم مفهوم خاطئ، وأنهم يجورون فيخلطون بين الله، ورسوله.

(ب) أو هذا الجيل المتأخر الذي كاد يؤله الرسول أو يخرجه من نطاق البشرية المحدودة القوى، والقدرات، أو يميزه بميزات ما أنزل الله بها من سلطان، بل يخلع على غير رسول الله من المقبورين صفات، وينحله قدرات لا تكون لغير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت