ولقد سرد القرآن ألوانا من المطالب الجائرة التي لا تقدم لبشر ثم شفع ذلك بقول صادع يرد إلى الرشد: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) الإسراء.
ومن هذا الباب كل الآيات التي جاءت تقرر بشرية الرسول، وتحدد الدوائر التي يمكن أن يتحرك فيها بحكم بشريته المشمولة بالوحي والرسالة. من مثل: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (إن أنت إلا نذير) (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) ... . الخ.
فمثل هذه الآيات ترد رسول الله إلى نطاق العبودية بعد أن تسبح روحه مع الوحى في آفاق السموات ليعيش البشرية، وقصورها، واحتياجها، متضرعًا، خاشعًا، شاكيًا إلى الله ضعفه، وقلة حيلته، وهوانه على الناس. موحيًا إلى الناس بما ينبغي عليهم من استيطان الذات، ومعرفة القدر، والفقر إلى الله الغني الحميد، فلا كبر، ولا طغيان، ولا مخيلة، ولا استعباد.