وارتباطًا بمفهوم البشرية، وعرفانا بأبعادها، كان صلى الله عليه وسلم يبرأ إلى الله من كل حول، وطول، إلا حول الله، وطوله (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) وقبل ذلك: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) (3) وكان صلى الله عليه وسلم يعلن أن مرتبة البشرية لا تتيح له هتك الحجب، ولا علم الغيب: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) (4) (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (5) (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (6) (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف 188. (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِين) هود 31.
ولكم اجتهد محمد صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا فجانبه الصواب، ثم روجع فرجع، وبين أن القضية قضية دنيوية تخضع للخبرة والممارسة، وأنه بشر إلا فيما عصمه الله في دائرة الرسالة، والتبليغ. كان ذلك في قضية تلقيح النخل. نصح بعدم التلقيح ظانا أن ذلك لا يغني شيئًا. فلما نقصت الغلة، وذكروا له ذلك قال: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر) مسلم. وفي رواية (ما كان من أمر دينكم فإلى، وما كان من أمر ديناكم فأنتم أعلم به) .