فهرس الكتاب

الصفحة 6137 من 18318

ولقد غضب صلى الله عليه وسلم في الله، وأراد أن ينتقم لله. وفي فورة نقمته اتخذ قرارًا متسرعًا، فأمر - كما جاء في البخاري - بتحريق رجلين، ثم بدا له، فعدل، وقال: (كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا، وفلانًا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله) أليس هذا نقدًا مباشرًا، أو غير مباشر للذات؟ بل إعلانًا عن تسرعه، وتعجله. والأحرى بمثله أن يتريث، ويتبين، والقرآن طالما أوصاه بالريث، وحذره من العجلة: (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ويوم تعجل قدر الله فدعا يوم أحد على الذين جرحوه، وكسروا رباعيته، ومثلوا بعمه حمزة ... إلخ يومئذ تقلى من ربه درسًا، والتفت إلى الناس ليخبرهم أن الأمر كله لله، وأنه لا يملك - حتى - حق استنزال سخط الله على من آذوه. تلا عليهم قول الله:(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون) آل عمران 128.

وإن كانت هذه الآية تسلبه التحكم، والعقاب، وتصريف الأمور، فهناك آية تلوح أمام عينى الرسول الكريم بالسكين، إن جاوز قدره أو تخطى حدوده: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) الحاقة.

إن الرسول الكريم بتبليغه مثل هذه الآيات على رءوس الأشهاد يؤكد بشريته، وأنه رغم ما يوحي إليه، ينقلب في دائرة العبودية. وهذا الكشف الواضح عن منطلقه - منطلق العبودية - هو عين نقد الذات.

كلا إنها تذكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت