فهرس الكتاب

الصفحة 6138 من 18318

ولقد تعددت المواقف التي لوحق فيها رسول الله، ورد إلى الصواب، فأذن في الناس، أن قد أخطأت، فاستحققت التثريب، والتبكيت، ولفت النظر. وصنيع رسول الله هذا من أعظم الأدلة على صدق رسالته، إذ لو كان طالب سلطة، أو ذكر، وجاه، لما أدان نفسه، ولستنكف أن تستعلن أخطاؤه، ولعتبرها عوارت يجب أن تستر، ولكنها النبوة التي ترى أن ذلك توجيه لا تجريح، وتذكير، لا تعيير. ولقد صرح القرآن بهذا في قصة ابن أم مكتوم (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ(11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) هي إذن تنبيه لرسول الله، ومعلم في طريق الدعاة، والدعاة من المسلمين إلى يوم القيامة.

والقصة: أن الرسول كان في مجلس الدعوة، وحوله ناس من وجوه المشركين، أقبل عليهم إقبالًا، طمعا في أن يسلموا، فيسلم بإسلامهم من خلفهم، واستغرق، وشغل بهم، ولم يبال بمن جاءه يسعى، ينشد الفقه، بل أعرض، وعبس، وتضجر، وكاد يركن إلى صناديد قريش بقدر ما أعرض عن الأعمى الذي لم ير الحضور فلم يقدر الظرف. ونزلت الآيات الملتهبة التي أفاق على صوتها رسول الله، وعاد ليصبر نفسه من الذين يدعون ربهم بالغداة، والعشي يريدون وجهه، ولينشر فيمن علم بالقصة، وفيمن لم يعلم، أنه جانب الصواب، فلاقي التقريع، والتأنيب: (عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه).

هكذا قلبت الآيات رسول الله بين ضميري الغيبة (عبس، تولى، جاءه) والخطاب (يدريك، فأنت، وما عليك، جاءك .. إلخ) زيادة في التوعية، والتنبيه، وتصريح بالاتهام بعد أن توهم - من ضمير الغيبة أن الحديث عن غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت