(لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
ونقض القرار قد يهون إن اتخذ عفو الخاطر، دون أن يمحص الرأى، بالتقليب، والمشورة، لأن مبررات الرجوع تكون عندئذ مقبولة. أما أن ينقض الرأى الذي تكون بعد نظر، وتريث، وتشاور، وأن يؤذن بالخطأ في أمر تختلف فيه الرؤى، ولا ينكشف فيه - للناس - الخطأ فذلك أبعد آماد نقد الذات، وإدانة النفس ولقد بلا رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفًا كهذا: نظر، ثم طرح القضية، وشاور، وتريث ثم اتخذ القرار الذي لم يكن صائبًا. ولذلك بلغ الغاية في نقد الذات، وانفعل حتى بكى، وأبكى: روى الترمذي والطبراني والحاكم، وغيرهم بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال لما كان يوم بدر جئ بالأسارى فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك، وأهلك، استبقهم عسى الله أن يتوب عليهم. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله: كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديًا كثير الحطب، فأضرمه عليهم نارًا. فقال العباس - وكان يسمع ما يقول عمر: قطعت رحمك. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم بشئ. فقال أناس يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس يأخذ بقول عمر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام، قال:(فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم) (1) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام، قال: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (2) . ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (1) .