والآية بل العبارة تنهى المؤمنين عن تزكية الأنفس، وادعاء براءتها وخلوصها من شوائب المعاصي والذنوب، فلا شهادة لنفس بأنها جمعت أسباب النقاء، كيف وكل ابن آدم خطاء؟ كيف ومما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (إن تغفر اللهم تغفر جما، وأي عبد لك ما ألما؟ كيف والله وحده هو الأعلم بمن اتقى، وبالمصلح من المفسد؟
وتزكية النفس تكون إما مباشرة بأن يتغنى المرء بأمجادة، وأفضاله مباهيًا منتشيًا، فإن لم يجد أفضالًا، ابتدع ونسج من خياله.
وإما بواسطة، يمدح غيره، ويغني، ويطرب هو، وينتفخ. العبارة القرآنية تحرم هذا، وذاك. تحرم كل ثناء علىالنفس تمدحًا، أو رياءً، وتجنب مثل هذا الصنيع يكون أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الخشوع، والاعتدال. فوق أن التورط في هذه الرذيلة ينم عن روح مرائية، ويبعد بالمرء عن فضيلة المراقبة، والمحاسبة، ونقد الذات. ويلقى بالنفس في أحضان النرجسية - عقد عشق الذات.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) النساء 49.
والآية الثانية هي آية النساء التي سيقت في أسلوب تعجيب يوحى بالاستنكار، والتحذير (أَلَمْ تَرَ) واتفقت في ذلك مع آيتين تجاورانها: آية سابقة وأخرى لاحقة. وكلها تعرض، بل تندد بسلوك أهل الكتاب الذين اشتروا الضلالة، واحترفوا الإضلال، وعبدوا الطاغوت، وافتروا الكذب .. إلخ. ورغم كل ذلك يتبجحون، ويزكون أنفسهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) النساء 44. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) النساء 49.