ذلك لأن كلمات المديح تقع على أضعف الأوتار الإنسانية فتهتكه أو تحرقه وعندئذ يندفع الشيطان يخوض في دم الممدوح، يوشمه بالغرور، ويخدعه بالكمال، ويبطئه، ويعوقه حتى يشل عرق الخير فيه، هكذا يعين المادح الشيطان على أخيه.
2 -وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنثى عليه رجل خيرًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارًا - إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدًا) متفق عليه.
والحديث - علاوة على كونه يصور جناية المادح على الممدوح - يكاد يحرم عملية المديح ويحصرها في دائرة الضرورات التي تبيح المحظورات بكلمة (لا محالة) ويكاد يشك في مصداقية أي مديح باستعمال الأداة (إن) التي تفيد الشك (إن كان يرى أنه كذلك) ويكاد يقطع بأن التزكية حق الله وحده، وأن المثنى - مهما كان دافعه - يكاد ينازع الله سلطانه (ولا يزكي على الله أحدًا) .
3 -وعن همام بن الحرث عن المقداد رضي الله عنه: أن رجلا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه فعمد المقداد، فجثا على ركبيته، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) رواه مسلم.
والحديث يوجب ألا نقف موقفًا سلبيًا من قاطعي الأعناق.
4 -وروى الإمام أحمد، وابن ماجة عن معاوية أنه كان يواظب في خطبه على كلمات منها: (إياكم والتمادح فإنه الذبح) .
5 -وأثر عن ابن مسعود قوله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شئ، يلقى الرجل لا يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول له مثنيًا: إنك لكيت وكيت. فلعله أن يرجع ولم يقض حاجة، ولكنه أسخط الله عليه، ثم قرأ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) الآية.