فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طالما قال: (لا تطروني) (قولوا عبد الله ورسوله) (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) (لا تتخذوا قبري عيدًا) ... إلخ.
ما كان ليقر أبدًا المداهنة، والملق، والشهادة القائمة على غير علم، والماثلة في المدائح التي تتدفق كالسيل من أفواه المضلين، الضالين.
ومدح الميت، والشهادة له لن يترتب عليه إغواء، ولا تغرير، ولا تضليل، ومع ذلك يمنع الإسلام أن نشهد له بما لا نعلم، وأن نزج بأنوفنا في أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، فلا نحكم لأحد بالولاية، والوصول: (روى البخاري عن أم العلاء الأنصارية فقالت: اقتسم المهاجرون قرعة. فكان عثمان بن مظعون في بيتنا، فوجع وجعه الذي توفى فيه، فلما توفى، وغسل، وكفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة لله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم. ما يدريك أن الله قد أكرمه، فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال أما هو قد جاءه اليقين. والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي. قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا) .
وهذا الحديث يمنعنا أن نخوض في حال الميت بعد أن ينتقل إلى رحاب الله. أما مجرد الشهادة له بالخير من غير خوض، ولا رجم بالغيب فلا شئ فيه: روى البخاري عن أنس بن مالك قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وجبت) ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: (وجبت) ، فقال عمر بن الخطاب ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة. وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) فالشهادة هنا جماعية ودارت حول ما رأوا وشهدوا، وأقرها الذي لا ينطق عن الهوى، ومثل هذه الشهادة لا يعد إقحامًا أو اقتحامًا لعالم الغيب.