إن طاعة ولاة الأمور ليست مطلقة ولا يمكن أن تكون كذلك في نظام شرعى تحكمه ضوابط شرعية فأولو الأمر لا ينفردون بالطاعة في كل ما أمروا به، ولكن يطاعون في الحدود الشرعية التى تحكم الحاكم والمحكوم، فإذا ما تجاوز بعضهم هذه الحدود فلا سمع ولا طاعة
روى البخارى عن علىّ قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم فقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعونى؟ قالوا: بلى. قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبًا فأوقدوا نارًا، فلما هموا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فراراٍ من النار، أفندخلها؟
فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف" (7) ."
وقد كانت هذه القصة سببًا في نزول قوله تعالى:"أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" (8) الآية.
وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع".
فقال له عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا"الآية (النساء: 29)
فسكت عبد الله ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (9) فهذه فتوى عامة لكل من أمره أميره بمعصية الله كائنًا من كان ولا تخصيص فيها البتة.