فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 18318

وفي حديث الحارث بن مالك الأنصاري ما يعطينا الصورة المشرقة لهذا الإيمان، فقد مر حارثة برسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقال له الرسول: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل شيء حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: عرفت يا حارثة فالزم).

ومنذ قامت دولة التوحيد على يدي خاتم أنبياء الله ورسله بقيت العقيدة تستمد قدسيتها من وحي الله وتعاليم السماء، وتعتمد أول ما تعتمد على الكتاب والسُّنَّة، وتتجه بالدرجة الأولى إلى تربية الملكات، وإعلاء الغرائز، وتهذيب السلوك، كي ترفع الإنسان إلى السمو اللائق بكرامته، وتجعل منه قوة إيجابية في الحياة.

ثم كانت الخلافات السياسية والاتصال بالمذاهب الفكرية والمذاهب الدينية الأخرى وتحكيم العقل فيما لا قدرة له عليه سببا في العدول عن منهج الأنبياء كما كانت سببًا في تحول الإيمان من بساطته وإيجابيته وسموه إلى قضايا فلسفية، وأقيسة منطقية، ومناقشات كلامية أقرب ما تكون إلى المناقشات البيزنطية.

ولم يعد الإيمان هو الإيمان الذي تزكو به النفس أو يصلح به العمل، أو ينهض به الفرد أو تحيا به الأمة.

ولقد كان من أثر الخلافات السياسية والعدول عن منهج الفطرة، والتأثر بالمذاهب الفكرية الطارئة وتحكيم العقل أن انقسم حملة العقيدة إلى مدراس مختلفة، كل مدرسة منها تمثل لونا معينا من التفكير، وتستأثر هي وحدها بالحق دون غيرها في زعمها، ومن لم يدخل في دائرة تعاليمها يعد في نظرها خارجا عن الإسلام!

فمدرسة لأهل الحديث، ومدرسة للأشاعرة ومدرسة للماتريدية ومدرسة للمعتزلة ومدرسة للشيعة، ومدرسة للجهمية، إلى آخر هذه المدارس المتعددة المذاهب والمتنوعة الآراء:

وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بزكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت