بهاتين الطائفتين يصلح حال الأمة إمامًا ورعية، لكننا كثيرًا ما نلاحظ أن الشيطان دفع قسمًا من القسمين أو كليهما ليفرط في واجبه ويترك المهمة الملقاه عليه لشهوة عنده أو هوى اتبعه، فإن كان هو من بطانة السلطان ومستشاريه فإذا هو يتحدث عن عيوب الرعية ليبرر للسلطان أخطاءه فيصور له الخطأ صوابًا ويدعوه إلى القسوة بدلًا من الرقة والشدة في موضع اللين، مع أن هذه المواعظ يحدث بها السلطان الرعية فهي التي تحتاج سماعها لتصلح عيوبها. أما السلطان فهو أحوج إلى سماع جوانب القصور في عمله، فيرفعون إليه الظلامات ويبينون له موضع الثغرات ويعرفونه بما يغيب عنه من حال أمته بنصح وإرشاد.
ويدفع الشيطان الواعظ أن يجعل همه أن يحدث الناس عن عيوب السلطان ليزدادوا فيه بغضًا، وبدلًا من أن يدعو له بالتوفيق إذا بهم يدعون عليه بالويل والثبور، مع أن أئمة أهل السنة يحثون الناس على الدعاء للسلاطين وولاة الأمور. لأنهم إن دعوا عليهم فاستجاب الله دعاءهم قست عليهم قلوب حكامهم فتسلطوا عليهم فكأنهم استمطروا البلاء على أنفسهم. فإذا حدثه أحد في ذلك قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) والحديث كما ترى يقول (عند) أي في مواجهته أو ترسل إليه من يبلغه أو تكتب إليه رسالة لتصله ولا تكون عنده في مجلس يغيب عنه. فإن لم تستطع فأنت في عافية من الله سبحانه في ذلك.
عندئذ ندرك أن البطانة رأت أن مهمتها أن تغتاب الأمة عند سلطانها، وأن الوعاظ مهمتهم غِيبة السلطان عند الأمة، فهل هذا أداء للواجب الذي عليهم؟!.
إذا عُرف ذلك أدركت أن الوضع مقلوب، فكلام الوعاظ ينبغي أن يكون على لسان البطانة ليبلغ السلطان، وكلام البطانة يجب أن يكون على لسان الوعاظ ليسمعه الناس. وأدركت أن الشيطان بذلك يوقع الفساد بين الناس حكامًا ومحكومين ليفسد ذات بينهم، وأن الأمانة لم تبلغ لأصحابها ولم يصب فيها أهلها.