فهرس الكتاب

الصفحة 6734 من 18318

وليست هناك قاعدة معروفة نستطيع أن نتنبأ بها عن طبيعة هذا الميكروب وأنه سيتحول فجأة من السلام والوئام إلى الهجوم والعدوان .. أو من الهجوم والعدوان إلى المسألة والموادعة. فليس الأمر بأيدينا وليس الأمر بيد تلك الميكروبات الدقيقة ولكن الأمر لمن بيده الأمر كله يصرفها كيف يشاء.

ولنضرب بعض الأمثلة حتى تتضح الحقائق، من المعروف أن ميكروب الحمي الشوكية هو بكتريا شديدة العدوان سريعة الانتقال من شخص إلى آخر بطريق الرذاذ فتدخل الفم والأنف والبلعوم وتمكث قليلًا لتتكاثر ثم تغزو الدم وتغزو الأغشية المحيطة بالنخاع الشوكي والمخ فتهجم هجومها الشديد الذي يؤدى إلى الوفاة في كثير من الأحيان.

ولكن هذه البكتريا ذات الطبيعة العدوانية تتغير طبيعتها فجأة عند بعض الأشخاص .. فتبقى هادئة مسالمة. ولكنها حين تنتقل من ذلك الشخص إلى آخر تعود إلى سابق عدوانها. بل أكثر من ذلك فقد وجد في زمن انتشار هذا الوباء أن تسعين في المائة من السكان يحملون الميكروب وهم أصحاء وأن المصابين بالمرض لا يتعدون 5% ففي الوقت الذي يوجد فيه ألف مريض بالحمى الشوكية مثلًا فإن هناك ما لا يقل عن مائة يحملون ميكروب الحمى الشوكية دون أن يبدو عليهم أي تأثير لوجود الميكروب في أفواههم وحلوقهم.

قد يتبادر إلى الذهن أن هناك اختلافًا في الميكروب ذاته ولكن الفحص الدقيق يثبت أن الميكروب واحد وأنه إذ انتقل إلى شخص آخر فإنه قد يفتك به.

ربما يرجع ذلك إلى اختلاف المقدرة على مقاومة الميكروب لدى الأشخاص .. ولكن المقدرة على المقاومة نفسها مبنية على أسباب مجهولة .. وليست مبنية على ما يبدو لنا من قوة هذا الشخص وضعف ذاك، فقد تصرع الشخص القوى الشديد الذي يبدو في أتم صحة .. وتبقى كامنة هادئة مسالمة لذاك الضعيف الهزيل .. بل إنها قد تكون مسالمة موادعة لفترة ما ثم تغير طبيعتها فتهجم وتكون عليه وبالًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت