إننا إذا ذكرنا فضل أنس بن مالك الذي صحب رسول الله، وخدمه عشر سنين، وسجَّل لنا من حياته وأقواله وأعماله وأخلاقه الكثير - وعاش قرابة قرن من الزمان يروي ويُفتي، ويعلْم ويربِّي، فلنذكر صاحبة الفضل على أنس، وهي أمه التي عرفت أين تضعه وكيف تختار له المدرسة والمعلم؟ فكان المدرسة بيت النبوَّة، وكان المعلم محمدًا رسول الله!!
قال أنس: قدم النبي المدينة وأنا ابن عشر سنين، فأخذت أمي بيدي، فانطلقت بي إلى رسول الله، فقالت: يا رسول الله: إنه لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا قد أتحفك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به، إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك، فخدمت النبي عشر سنين، فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا قال لشيء فعلته، لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟
وكانت تمدُّه بتوجيهها السديد في مصاحبة رسول الله، رأته مرة في الطريق، فقالت: إلى أين يا أنس؟ فقال: في سر رسول الله، فأوصته هذه الوصية الجليلة: احفظ على رسول الله سرَّه.
وأحبت أن تغمر ابنها بكل ما تستطيع من بركة الرسول الكريم. قالت مرة: يا رسول الله: خادمك أنس، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته) ، فكان أنس أكثر الأنصار في البصرة مالًا، وعاش حتى رأى من ذرّيته أكثر من مائة نسمة ... !
4 -المسلمة: أسلمت أم سليم عن بصيرة نيِّرة، وعرفت مهمتها من أول يوم، فعرضت الإسلام على زوجها الأول فأبى وفارقها، ودعت أبا طلحة - حين خطبها - إلى الإسلام، فأسلم وتزوجها، وكانت أثيرة عند رسول الله، لعمق إيمانها، وجلال مواقفها، وقوة شخصيتها، فكان يرزرها ويكرمها، ويقيل عندها، وعند أختها أم حرام، إذْ كانتا في دار واحدة، وكأنه بذلك يعزيهما عن موت شقيقهما - حرام - في بئر معونة شهيدًا في سبيل الله.