فهرس الكتاب

الصفحة 7463 من 18318

ولكل طرق الخير على كثرتها واستتباعها لعظيم الأجر ليست في درجة واحدة، بل تتفاوت منزلتها عند الله بتفاوتها في عموم النفع وخصوصه، وسهولة العمل ومشقته، فما عم نفعه وعظمت مشقته ارتفعت منزلته وسمت مكانته، فالصلاة خير، والصوم خير، والزكاة خير، والأمر بالمعروف خير، والنهي عن المنكر خير، وإماطة الأذى عن الطريق خير، والتسبيح خير، وصلة الأرحام خير، والصلح بين الناس خير، وهكذا إلى آخر ما فيه نفع للناس وكان مرضيًّا عند الله، ولكن أمرًا واحدًا جمع أنواعًا من النفع تفرقت في غيره، ومجموعة من البر لم تجتمع في غيره وهو حج بيت الله الحرام، ففيه إنفاق المال ابتغاء مرضات الله وفي سبيل الله، وفيه إجهاد البدن في وعثاء السفر؛ ومشقة مفارقة الأهل والوطن للقيام بواجب شكر الله المنعم عند بيته المحرم، وفيه إشهاد المرء على نفسه إشهادًا عامًّا يحضره الألوف من إخوانه المسلمين في صحراء جرداء ليس فيها للنفس متعة؛ لأنه العبد، والله هو المعبود، وأنه العاجز، والله هو القوي، وأنه الفقير، والله هو الغني، وأنه السائل، والله هو المسئول، وأنه المستعين، والله هو المستعان. رب الحمد والنعمة لا إله إلا هو الغني الحميد

إن من امتلأ قلبه بهذا الموقف وعرف به عزة الله وذلة العبد صفا قلبه، وسمت روحه، وطابت للخير نفسه، فلا يعرف الشر ولا تقترب النقيصة منه، ورأى الله في كل شيء في عسره ويسره؛ في صحته ومرضه؛ في غناه وفقره؛ قد أسلم نفسه لله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [لقمان: 22] ، ولهذه الاعتبارات كان الحج من أسمى معاني الخير، وقد جاء تأييدًا لهذا المعنى وكشفًا عن منزلة الحج عند الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحاج في ضمان الله مقبلًا ومدبرًا) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت