فهرس الكتاب

الصفحة 7597 من 18318

فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ فقلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوَ ما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وبُنَيَّ هذا؟ قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام بعيري، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني إلى شجرة، قيد بعيري فيها وحطّ عنه، ثم تنحَّى عني إلى شجرة أخرى فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواح قام إلى بعيري فقدّمه فرحله ثم يتأخر عني. وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري، أتى بأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو طلحة نازلًا - فادْخُليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.

فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة؛ وهذه الحكاية التي هي عبرة لكل مسلم وما يجب أن يصبر عليه من الأذى في سبيل دينه بإخلاص مع الله، وصدق وثبات، هي نفحة من نفحات الهجرة النبوية التي يطل علينا هلالها.

وهذا صهيب بن سنان الرومي، رضي الله عنه، حين أراد الهجرة قال له كفار مكة: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك. فقال لهم: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ربح صهيب، ربح صهيب ... ) ، وما ذلك إلا أن صهيبًا أرخص ماله في سبيل سلامة دينه، وتَرْكِه يسافر للمدينة مهاجرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت