ولأن التمكين لا يأتي بمجرد دعوة في رسالة، فقد رفض الجميع هذا العرض الطيب، فكان لابد لجماعة المسلمين من رفع راية الجهاد في سبيل الله، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية لقتال الروم في (مؤتة) ، وخرج بنفسه صلى الله عليه وسلم لقتالهم في (تبوك) ، وجهز جيشًا ثالثًا لقتالهم بقيادة أسامة بن زيد، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر في الناس يحثهم على القيام على أمر هذه الدعوة: (ألا إن محمدًا قد مات، ولابد لهذا الدين من قائم يقوم به، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) .
فقام الصحابة على هذا الدين يجاهدون في سبيل الله، ويرفعون راية لا إله إلا الله، ويُخرجون العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد الواحد القهار، وتهاوت مدائن كسرى وحصون قيصر أمام صيحة الله أكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتغير شكل النظام العالمي القائم، فصار نظامًا جديدًا يقوم على التوحيد والعدل والمساواة بين بني البشر دون ظلم أو إكراه على الدخول في الدين الجديد: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256] .