وهو في الأخلاق وسط بين الذين يتحللون من كل الفضائل والذي يشتطون في تصور الفضيلة ويتشددون فيها، فالفضيلة في الإسلام وسط بين رذيلتين: الشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والاقتصاد وسط بين البخل والتبذير، والتواضع وسط بين الاستكبار والاستخذاء، والصبر وسط بين الجزع والاستكانة، والتوكل على الله وسط بين التواكل والغرور (التواكل: ترك السعي والعمل وعدم الأخذ بالأسباب) ، وأساس ذلك قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا) [آية 29 من سورة الإسراء] ، (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا) [آية 67 من سورة الفرقان] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن ترك ناقته من غير قيد، زاعمًا أن في هذا ثقة بالله وتوكلا عليه: (اعقلها وتوكل) (اعقلها: اربطها وفي الحديث ما يرشد إلى أن الأخذ بالأسباب واجب وأنه لا ينافي التوكل على الله) .
والإسلام في صلة الإنسان بالحياة وسط بين المادية البحتة، التي لا تعرف شيئًا وراء ما يقع عليه الحس من طعام وشراب، ولذات وشهوات وغلبة وبطش، وجمع للأموال وتكاثر وتفاخر، والروحية البحتة التي تزهد في الحياة، وتعرض عنها إعراضا تاما، فلا زواج، ولا سعي ولا عمل، ولكن تبتل مطلق (التبتل المطلق: الانقطاع للعبادة وترك العمل) وإهمال للأسباب، يقرر الإسلام في ذلك الوسط أيضًا، إذ يقول سبحانه: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) [من الآية 77 من سورة القصص] ، (فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) [من الآية 10 من سورة الجمعة] ، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [من الآية 32 من سورة الأعراف] .