فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 18318

والإسلام في تحديد علاقة الفرد بالجماعة وسط أيضًا، لم يترك الفرد طليقا يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، كالوحش في الفلاة (الفلاة: الصحراء) يجري ويعبث، ويفترس ما يقدر عليه .. ولم يلغ شخصه، وينس استقلاله ولكنه اعتبره ذا شخصية مستقلة وفي الوقت نفسه اعتبره لبنة في بناء المجتمع، فأثبت له - بالاعتبار الأول - حق الملكية لماله ودمه، والهيمنة على نفسه وولده، ومنحه في هذه الدائرة حق التصرف بما يراه خيرا له، وسبيلا لسعادته وأوجب عليه - بالاعتبار الثاني - حقا في نفسه بالخروج للغزو والجهاد لرد العدوان عن الدين والوطن، وحقا في ماله بالبذل والإنفاق في سبيل الله، وأوجب عليه إرشاد الأمة، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر.

وفي مقابل ما أوجبته الشريعة على الفرد للجماعة - قررت له حقوقا على الجماعة: كفلت له حفظ دمه وماله وعرضه، وشرعت لحمايته حق القصاص، وحق الحد والتعزير، وجعلت له حقا في أن تعينه بمالها إذا افتقر، وبذلك تبادل الفرد والمجتمع الحقوق والواجبات.

ولا شك أن سعادة الحياة منوطة بالتعادل بين الجانبين، وعدم طغيان أحدهما على الآخر: فلو ضن الفرد بنفسه أو ماله أو لسانه على المجتمع ساءت حالته، وأدركه الضعف والانحلال، ولو ضن المجتمع بقوته وماله على الفرد فلم يكفل له سعادته ولم يحفظه في ماله ونفسه وعرضه، ولم يعنه في حال فقره أو ضعفه - لشقى الفرد، وكان عرضة للهلاك، وبهذا أو ذاك تصبح الحياة عبئا ثقيلا لا يحتمل، بل جحيما لا يُطاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت