وهذه الآية التي معنا بلغت في تعجيز وتحقير ما يعبدون من دون الله مبلغًا، فالله تعالى ينادي على الناس جميعًا ويأمرهم أن يستمعوا وينصتوا ليتدبروا ويفهموا ما يُذَكّرهم به، فيقول سبحانه: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا له) . كل من تدعون من دون الله من آلهة مدعاة من أصنام وأوثان ومن أشخاص وقيم وأوضاع يستنصرون بها من دون الله ويستعينون بها ويطلبون منها النصر كلهم: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) .
والذباب صغير حقير، ومثله هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون، ولو اجتمعوا ما قدروا على خلق الذباب (1) لماذا؟ في هذا الذباب سر الحياة، فالروح غيب من عند الله لا يدركه سواه وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق الضعيف، وهذه الروح لا يقدر أحد أن يهبها ولا يقدر أن يسلبها؛ ولذلك عاب الله تعالى على المصوِّرين الذين يصنعون الصور والتماثيل يضاهئون بها خلق الله، عاب عليهم هذا التصوير وأنكره، وبين عجزهم من أن يهبوا هذه الصور سر الحياة، وقال كما في (الصحيح) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه دخل دار مروان فرأى فيها تصاوير، فقال أبو هريرة، رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله، عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يَخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة) (2) . والمعنى: فليخلقوا مثقال ذرة أي نملة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي خلق الله تعالى، أو ليخلقوا حبة قمح أو شعير فيها طعم وتُوكل وتنبت، ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب، وأني لهم ذلك.
فالحياة لا يهبها إلا الله، ولا يسلبها إلا الله، وكما يعجز الخلق أجمعين أن يهبوا الحياة لأحد؛ كذلك يعجزون أجمعين أن يَمنعوا سلبها واستردادها من أحد.