بعد هذا كله توكلت على الله، واستعنت به، وجعلت دليلي الذي يصاحبني هو؛ آثار تلك الأعلام المهدمة التي تقوم على رءوس الجبال وظهورها، وعلى رءوس الثنايا والشرفات.
وهكذا فقد أمسكت حبلًا وثيق العرى، وهو بقايا تلك الأعلام من الصخر المنحوت الجميل والنورة القديمة المتناثرة.
لقد رأيت في رحلتي هذه (923) علمًا تحيط بالحرم المكي إحاطة تامة، أقامها أسلافنا على هذه الجبال، أكثر من ثلثها كان مبنيًا فانهدم، ويستولي عليك العجب من صبر أولئك الأجداد على تحمل المشاق والصعاب، إن بعض الجبال يرتفع أكثر من (500 م) عن سطح البحر، وهو شديد الانحدار، قد تستغرق في تسلقه أحيانًا ساعة كاملة، بل أكثر من ذلك حتى تصل قمة الجبل، وهناك تجد أعلامًا للحرم كانت مبنية بالصخر المنقور المنحوت، وبالنورة البيضاء، كيف استطاعوا أن يوصلوا الماء الكثير للبناء؟ والنورة الكثيرة إلى هذه القمم الوعرة المرتفعة؟
إن المتسلق إذا صعد وحده وليس على ظهره شيء ولا في يده شيء ووصل إلى القمة يرى نفسه قد عمل شيئًا عظيمًا؛ لأنه لا يصلها إلا وقد أخذ التعب منه كل مأخذ، فكيف لو كان يحمل على ظهره حملًا من الماء أو النورة أو الصخر الأصم؟ إنها والله الهمم العالية التي يتحلى بها أسلافنا الكرام.
إن هذه الرحلة قد استغرقت مني تسعة أشهر، جلها كانت في أشهر الشتاء والربيع والخريف، وكنت غالبًا ما أبدأ التسلق بعد صلاة الفجر، فلا تشرق الشمس عليَّ إلا وأنا على رأس الجبل، أو في المساء بعد صلاة العصر، حتى غروب الشمس، أتقي بذلك حرارة الشمس الملتهبة على أرض الحجاز.
ولقد يسر الله لي، وأتممت هذه الرحلة الميمونة وله المنة والفضل، وله الثناء الحسن.