ويعرض الدكتور النشار ذلك الرأي فيقول: إن السبب في أنهم اعتزلوا أو أن هذا الاسم أطلق عليهم هو عدم موافقتهم على انتقال الخلافة إلى معاوية، فأصابتهم حسرة مريرة أن يسلب الحق أهله، فابتعدوا عن الحياة السياسية، ولجأوا إلى العبادة، إنهم كانوا يمثلون روح المجتمع الإسلامي في موقف سلبي.
كذلك يذكر نيلينو هذا الرأي فيقول: يذكر أبو الفداء في أخباره خاصًّا بسنة 35 هـ أسماء بعض الأشخاص الذين لم يريدوا مبايعة علي، ولو أنهم ليسوا من شيعة عثمان، ويضيف إلى ذلك قوله: وسموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي، فمن هذا الحين أصبحت هذه التسمية علمًا على حزب سياسي كما هي الحال في حزب الخوارج.
من كل ما سبق نستطيع أن نقول: إن كلمة الاعتزال أطلقت على فئة خاصة قبل مدرسة الحسن البصري بنحو مائة عام في الصدر الأول للإسلام، كما أن هذا الاسم أطلق على الذين اعتزلوا الفتنة ولم يشاركوا في حرب الجمل بين علي وعائشة، ولم يشتركوا في وقعة صفين بين علي وأنصاره، ومعاوية وأنصاره، وذلك الموقف سياسي في مبناه وفي معناه.
والرأي الثاني يربط بين التسمية بالاعتزال وبين مسلك الزهد والعبادة والتقشف والعزوف عن الحياة الدنيا، وقد تزعم هذا الرأي جولد تسيهر، وسانده في هذا الرأي هورتين، فجولدتسيهر يشير كما يشير المؤرخون بمناسبة واصل بن عطاء وزميله عمرو بن عبيد، ومعتزلين آخرين كذلك، إلى ميولهم الصوفية وزهدهم، أي إلى بعدهم عن زخرف الدنيا وشهواتها، وهو يؤكد القول بذلك؛ حيث يقول: إن البذور الأولى لهذا المذهب كانت دوافع صادرة عن التقوى والتعبد، وكان الباعثون على هذه الحركة رجالًا متعبدين زهادًا معتزلين، ثم اتصلت الحركة بالدوائر العقلية فاتخذت شيئًا فشيئًا موقف المعارضة بإزاء المعتقدات الدينية السائدة.