أما الرأي الثالث الذي يرد التسمية بالاعتزال إلى موقف ديني له أبعاد سياسية وبقضية جدلية أثيرت في مجلس الحسن البصري يكاد يجمع على القول به مؤرخو الفرق الإسلامية.
يقول الشهرستاني: دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين؛ لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان؛ بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمى هو وأصحابه معتزلة.
ويرى الإسفراييني نفس الرأي؛ إذ يقول: والمسلمون كانوا في فساق أهل الملة على قولين، فالصحابة والتابعون وجميع أهل السنة يقولون: إنهم مؤمنون موحدون بما معهم من الاعتقاد الصحيح فاسقون عصاة بما يقدمون عليه من المعصية، وإن أفعالهم بالأعضاء والجوارح لا تنافي إيمانًا في قلوبهم.
وكان الخوارج يقولون: إنهم كفرة مخلدون في النار مع الكفار، فخالف واصل القولين وقال: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر، وإنه في منزلة بين المنزلتين، وحكمهم في الآخرة أنهم مخلدون في النار مع الكفار، وأن من خرج منهم من الدنيا قبل أن يتوب لم يجز الله تعالى أن يغفر له، فخالف بهذا القول جميع المسلمين واعتزل دين المسلمين، فطرده الحسن البصري من مجلسه، فاعتزل جانبًا مع أتباعه، فسموا معتزلة لاعتزالهم قول المسلمين.