فهرس الكتاب

الصفحة 7858 من 18318

ويتفق البغدادي معهما في نفس الاتجاه، فيقول: فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، فلما سمع الحسن البصري من واصل بدعته هذه التي خالف بها أقوال الفرق قبله، طرده من مجلسه، فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد بن باب كعبد صريخة أمه، فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة وسمي أتباعهما من يومئذ معتزلة.

ويقف أحمد أمين موقف المعارض لهذا الرأي، فبعد أن يعرض لآراء كل من ابن المرتضي والشهرستاني وابن قتيبة وابن رستة والشربسني وابن خلكان والمسعودي والسمعاني يقول: وهذا الرأي ضعيف من جملة وجوه:

أحدها: أن انتقال واصل أو عمرو بن عبيد من حلقة في المسجد لأخرى ليس بالأمر الهام الذي يصح أن تلقب به فرقة، والأوجه أن تكون التسمية متعلقة بالجوهر لا بالعرض.

ثانيها: اختلاف الرواة في الرواية، فبعضهم ينسب حادثة الانفصال إلى عمرو بن عبيد، وبعضهم ينسبها إلى واصل، وبعضهم ينسب هذه التسمية إلى الحسن البصري، وبعضهم ينسبها إلى قتادة، وهذا من غير شك يضعف الرواية ويجعلها محلًا للنقد.

وثالثها: أن كثيرًا من الكتب تتكلم عن شخص فتقول: إنه كان يقول بالاعتزال، وهو من أهل الاعتزال، وهذا يدل على أن الاسم يطلق على مذهب ذي مبادئ لا مجرد انفصال من مجلس إلى آخر، وإن الاعتزال معنى من المعاني لا حركة جسمية.

ولنا مع هذه الاعتراضات وقفة تتمثل في الرد على الأوجه الثلاث التي عرضها أحمد أمين.

أولها: الانتقال ليس مجرد انتقال من حلقة إلى أخرى، أو من مكان إلى مكان، وإنما الأمر تعلق بموقف فكري جوهري له أبعاده ومراميه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت