وأين قواعد العلم الحديث التي جزم العقل بأنها صحيحة، ثم جزم مع ذلك بأنها ستبقى صحيحة مدى الدهر ولا يمكن أن يطرأ عليها التغير؟ متى وجد العقل المقيد بهذه القيود ومتى وجدت قواعد العلم المقيدة بهذه القيود أمكن أن نحكم بأن ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفًا لهذا العقل ولهذه القواعد ليس مما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن مادام العقل قاصرًا عن بلوغ هذا المدى ومادامت قواعد العلم لم تدعم بهذه التحوطات، فليس لواحد منا ولا لجماعتنا أن تأبى التسليم بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ورب أمر لم يظهر لنا وجه الصواب فيه إلى اليوم وستكشف الأيام عن وجه الصواب فيه، وقد جعل الله من أهم أسس الإيمان أن نحتكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما ينشب بيننا من اختلاف، ثم نرضى بحكمه ونخلص في هذا الرضا، بحيث لا يتطرق إلى قلب أحدنا الشك في صحة هذا الحكم؛ ولا يختلج الصدر أقل حرج، بل يتلافى بأتم الرضا والتسليم، والاحتكام إلى الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ليس خاصًا برفع الأمر إلى شخصه، فإن ذاك لا يمكن أن يكون حكمًا عامًا على المسلمين في جميع الأعصار، ولكنه كما يكون برفع الأمر إليه في حياته يكون بعرض هذا الأمر مما نُقل عنه من السنة الصادقة التي لا تنطق عن الهوى، فكل أمر وافق سنته الصحيحة يكون كأنه حكم صادر عنه يجب على المسلم اتباعه والرضا به والإخلاص له، ويجب عليه أن ينفي عن نفسه كل شبهة في جواز أن يكون ثمة حكم أصح منه، وكل أمر خالف السنة الصحيحة وجب تركه وإطراحه، ووجب على كل مسلم أن يفر منه، وأن ينهى عنه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من علامة الإيمان أن يحبه كل واحد منا أكثر مما يحب ولده الذي هو فلذة كبده، وأكثر مما يحب أباه الذي كان سببًا في وجوده، والذي قام على تربيته وتنشئته، وأكثر مما يحب سائر الناس الذين منهم خُلصانه، ومنهم أعوانه على الشدائد ومنهم المحسنون إليه، وقد عرفنا