وكما ترى أخي القارئ الكريم أن الجيلي واضح صريح، يصل إلى هدفه بعبارة سهلة؛ فالشرك والكفر والإيمان واحد، والخلق والخالق واحد، والمخالف لذلك يُضيع وقته في عين الحقيقة التي بالطبع تخالف الشريعة، ثم يدلي الجيلي بدلوه - كما فعل سلفه ابن عربي - فيقول مفسرًا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: 10] ، فيقول: (إِنَّمَا) بمنزلة: ما، وإلا، وتقديره: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) ما (يبايعون إلا الله) ، ومن المعلوم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بويع، فشهد الله لنفسه إنما بويع إلا الله، فكأنه يقول: ما أنت عندما بويعت محمدًا، إنما أنت الله بالغيب؛ لأنهم مبايعون الله على الحقيقة، وهذا معنى الخلافة، وهو نفس تفسير ابن عربي.
تأثر الجيلي بأفكار كل من سبقوه من فلاسفة الصوفية أدعياء الفناء والشطح والوحدة، والجيلي كغيره يزعم وصول العارف إلى مقامات مشاهدة تجليات الذات والصفات، وفناؤه التام من ناحية خلقيته، وبقاؤه من ناحية حقيته، فيفني عن نفسه بظهور ربه، ثم يفنى عن ربه بظهور سر الربوبية، ثم يفنى عن الصفات بمتعلقات الذات، فيبقى في الله باللطيفة الإلهية، ثم قبوله الاتصاف بالصفة الإلهية قبولًا أصليًا، ثم اتصافه بالصفة الإلهية.
إن الصوفي حين يتعلم عدم الاعتراض، ثم يتصفح كتب العارفين يعيش في حالة نفسية تجعله يشعر أنه من خاصة الناس، وأنه يطالع أسرار وفتوحات ذات مذاق يرقى فوق كل مذاق، وحين يقرأ تخاريف المشايخ لا يعرف كيف يفسر لنفسه صدور مثل هذه التخاريف عمن يزعم مشاهدته للذات الإلهية، وحتى نوضح مقصدنا من هذا نضرب مثالين من أقوال عبد الكريم الجيلي هما: