ويقول الجيلي في (الإنسان الكامل) : (إن الله تعالى لما خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم من كماله، وجعله مظهرًا لجماله وجلاله، خلق كل حقيقة من محمد من حقيقة من حقائق أسمائه وصفاته، ثم خلق نفس محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه، وليست النفس إلا ذات الشيء) .
وننبه القارئ الكريم ألا يُفسر كلمة (خلق) التي يستخدمها الجيلي على أنها إيجاد من العدم حسب مفهوم الكلمة عند عموم الناس، بل يقصد الجيلي معنى آخر تمامًا، وتوضح هذه الأبيات مراد الجيلي من كلمة (الخلق) فيقول:
ذات لها في نفسها وجهان
للسفل وجه والعلا الثاني
ولكل وجه في العبارة وإلا
ذات وأوصاف وفعل بيان
إن قلت واحدة صدقت وإن
تقل اثنان حق إنه اثنان
أو قلت لا بل إنه لمثلث
فصدقت ذاك حقيقة الإنسان
وإذا تصفحت كتاب (الإنسان الكامل) ترى الجيلي يدور حول إثبات أن كل شيء في الوجود خُلِق من الحقيقة المحمدية، فجبريل وعزرائيل (1) وإسرافيل، عليهم السلام، خُلقوا من محمد صلى الله عليه وسلم، فجبريل خلق من العقل الأول الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم، فكان محمد صلى الله عليه وسلم أبا جبريل وأصلًا لجميع العالم، وخلق الله عزرائيل من نور، وهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولما خلق الله تعالى العالم جميعه من نور محمد صلى الله عليه وسلم كان المحل المخلوق منه إسرافيل قلب محمد صلى الله عليه وسلم، كما سيجيء بيان خلق جميع الملائكة وغيرهم كل من محل منه.