ثم يأتي الكاتب بحجة أخرى واهية؛ وهي أن الحجاب شرع للتفريق بين الحرائر والإماء، ولحماية الحرائر من عبث العابثين، قال: إن الحكمة من الحجاب التمكن من التفرقة بين الحرائر والإماء، وحماية الحرائر من عبث العابثين ليلًا في طرقات المدينة.
والكاتب في ترديده لهذا القول يعتمد على رواية غير ثابتة رواها ابن سعد في (طبقاته) (8/ 127) ، قال فيها: أخبرني محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عن ابن كعب القرظي قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا قيل له؟! قال: كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن، قال الألباني: وهذا لا يصح، بل هو ضعيف جدًا لأمور:
الأول: أن ابن كعب القرظي واسمه محمد؛ تابعي لم يدرك عصر النبوة فهو مرسل.
الثاني: أن ابن أبي سيرة وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ضعيف جدًا، قال الحافظ في (التقريب) : رموه بالوضع.
والثالث: ضعف محمد بن عمر، وهو الواقدي، وهو مشهور بذلك عند المحدثين، بل هو متهم.
وأما الآية فهي للعموم تشمل الحرائر والإماء، فالله تعالى حينما قال: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 59] ، ولقد رد ابن حزم هذا التفسير الفاسد فقال: وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة، كل ذلك في الحرائر والإماء سواء، وتفسير الآية إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك؛ لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن؛ فنحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم، أو وهلة فاضل عاقل، أو افتراء كاذب فاسق.