فهرس الكتاب

الصفحة 8280 من 18318

قُلْتُ: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صوابًا في وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة ألا ترى أن الصحابة، رضي الله عنهم، كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر، فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كمنى، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقًا في ذلك المجتمع فرارًا مما قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.

فروى أبو داود (1/ 307) أن عثمان، رضي الله عنه، صلى بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود منكرًا عليه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، ثم إن ابن مسعود صلى أربعًا! فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟! قال: الخلاف شر. [وسنده صحيح. وروى أحمد (5/ 155) نحو هذا عن أبي ذر، رضي الله عنهم أجمعين] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت