ولقد سلك المؤلف في بحثه مسلكًا خطيرًا حيث صور المسلمين بأنهم أشبه بفرق من القراصنة الذين لا هدف لهم من حربهم إلا جمع الأموال عن طريق السلب والنهب بكل الوسائل المشروعة أو غير المشروعة ولذلك فلم يعبأوا بأهل هذه البلاد التي فتحوها ولم يراعوا فيهم إلا ولا ذمة. ولذلك فكان من واجب الطبقات المظلومة - أهل هذه البلاد - أن يدافعوا عنها ويحاربوهم بكل الوسائل .. غير أن حقائق التاريخ تكذب هذه التصوير وتدحضه. فإن هذه الطبقات المظلومة التي حاول المؤلف أن يجعلها ضحية الفتح الإسلامي هي التي رحبت بالمسلمين ورأت فيهم المخلص والعون من ظلم الفرس أو الرومان وهذه هي غاية الفتح الإسلامي حقا وصدقًا وليست القرصنة كما صورهم المؤلف. وليس المجال هنا يتسع لذكر النماذج الحية الشاهدة على ذلك. ولكن الأهم من هذا أن أشير إلى أن هذه الوسيلة التي سلكها المؤلف في الدفاع عن القرامطة والباطنة وغيرهم من التشكيك في السابقين وتجريح الصحابة واتهامهم بالاستغلال والقرصنة. أقول إن هذه الوسيلة ليست جديدة على تاريخ المسلمين. بل هي نفس وسيلة الباطنية والقرامطة التي كانوا يستعملونها في جلب أتباعهم. فلقد جمعوا أمرهم على تشكيك المسلمين في سلفهم الذين نقلوا إليهم أمور الشريعة فإذا فقد المسلمين الثقة في الصحابة والتابعين وهم الذين نقلوا إليهم أمور دينهم لم يبق عندم ثقة في الأمور الدينية ذاتها ولم يلتفتوا إلى ما قالوه أو رووه، وبذلك يسهل على الباطنية والقرامطة خلع المسلمين عن دينهم كلية. حتى إذا بقى منهم من هو متعصب بدينه لجأوا معه إلى وسيلة التأويل والتحريف. فيتأولون الآية أو الحديث على غير مقصوده ويستنزلون بذلك ضعفاء العقول وعامة الناس ليأخذوا عنهم معتقداتهم الفاسدة ويروج ما عندهم من مذاهب ونحل باطلة.