وهذا الصنيع من (فنسنك) يحاول أن يسجل حكمًا عامًا على كل الأخبار التي تواترت بتعرف الأحبار والرهبان والكهان على النبي صلوات الله عليه قبل مولده، وقبل مبعثه، وبعد مبعثه، وهو صنيع يضرب ببديهات المنهج العلمي عرض الحائط، إذ لا يدخل في غمار البحث المنهجي حول رواية القصة ونقلتها، والدراسات التي صيغت حولها، وإنما يبادر إلى القول الفج غير المعلل بأنها أسطورة، ويُلحق هذا اللهاث الجريء بلهاث آخر يُنهي فيه القضية من اساسها؛ فيرى أن (نظائرها) من نفس هذا النوع الأسطوري! ومن هنا يُقوض بأمنيته - مبدأ أن أهل الكتاب قد تعرفوا على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من خلال كتبهم، على الرغم من أنه مبدأ موجود في القرآن الكريم أصلًا وليس مستقى من هذه القصص، وإن كانت هذه القصص تعد تأكيدًا وتطبيقًا لهذا المبدأ القرآني.
أما أن المجال مجال مناقشة هذه النتيجة فلا، وإنما المراد هو إطلاع القارئ على صورة البحث العلمي عند المسلمين، وصورة هذا البحث العلمي عند رءوس الاستشراق وطريقتهم في الاستنتاج، ولكن مضرب المثل في الوقاحة الدراسية - إن صح التعبير - هو ما اكتشفه (فنسنك) حول شخصية (بحيرا) ، والذي حرص على ذكره، وهو أن الروايات الإسلامية حول شخصية (بحيرا) قد جمعت كلها بالتفصيل في (سفر بحيرا) لكاتب مسيحي في حوالي القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، يدعي (إشوعيب) ، وقد ورد في الكتاب كيف لقن سرجيوس (وهو الاسم الحقيقي لبحيرا) ، محمدًا صلى الله عليه وسلم عقيدته وشرائعه وأجزاء من القرآن، وذلك بقصد أن يجعل العرب يعترفون بإله واحد.