ولم يعلق الأستاذ العالم المنهجي (فنسنك) بحرف واحد يدل على القيمة التاريخية لهذه المقولة، وكأن الروايات إذا أريد بها إظهار معرفة أحبار أهل الكتاب برسول الله صلوات الله عليه قبل مبعثه فهي أساطير كلها، وإذا أريد بواحدة منها أن: (محمدًا نبي كاذب كان يتلقى وحيه من راهب ملحد) . فهنا لا تعليق. وهذا هو نتاج المنهج العلمي والأمانة العلمية عند المستشرقين.
أول الخلق:
إلا أن قصة (بحيرا) لم تُسجل في الضمير الشعبي للأمة مثلما سُجلت مجموعة من التصورات والمواقف حول النبي المبارك الكريم، وهذه التصورات والمواقف محتاجة إلى عرضها على ميزان النقد العلمي الذي رأيناه آنفًا عند المسلمين؛ فكثير من المآذن في (مصر) مثلًا تردد - بعد الأذان - الصلاة على (أول خلق الله) ، ومع ذلك لم يتبادر إلى ذهن أحد من المصلين أن المقصود هنا هو (آدم) ، عليه السلام، وإنما المستقر في ضميرهم جميعًا، سواء أقره بعضهم أو رفضه البعض الآخر، هو أن أول خلق الله هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تضافرت على صُنع هذا التصور مجموعة من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، مثل:
(كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث) .
(كنتُ أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث) .
وهذه الأحاديث وما في معناها ليس مما يُتوقف عنده، لوهاء أسانيدها.
فقد رواه أبو نعيم في (دلائل النبوة) ، وابن أبي حاتم في تفسيره، وتمام في (فوائده) .
كل هؤلاء من طرق عن سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف، فيه شذوذ يزيده ضعفًا، وسبب الضعف هو سعيد بن بشير؛ ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي، وحسبك بهؤلاء، وضعفه غيرهم؛ قال ابن حبان في (المجروحين) : (وكان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يُتابع عليه) .
قلتُ: وهذا الحديث من طاماته وغرائبه، فقد أورده الذهبي في (الميزان) مثالًا على غرائبه.